محمد أبو زهرة
1971
زهرة التفاسير
وفتنة المهتدين ، وإيذائهم وإثارة الشبهات بينهم فهو يسير موغلا في البعد عن الطريق المستقيم ، وهذا معنى قوله قد ضلوا ضلالا بعيدا . ثالثها - أن قوله تعالى قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً فيه استعارة تمثيلية ؛ لأن فيه تشبيه حال الذين يمعنون في الغى والفساد وإنكار الحقائق عندما يلحفون في الإنكار ، وإثارة الشبه بحال الذين يسيرون في بيداء ، وقد ضلوا الطريق ، وساروا على غير هدى ، فكلما ساروا بعدوا عن الجادة ، وكان سيرهم ضلالا بعيدا لا يهتدون من بعد ، إذ لا يجدون من يهديهم إلى سواء الصراط . الأمر الرابع - أن النفس البشرية قد هداها الله تعالى النجدين طريق الحق ، وطريق الباطل ، وألهمها فجورها وتقواها ، فإذا اتجهت إلى الخير سارت فيه ، وكلما كثرت خيراتها زاد فضلها ، وإذا انحرفت عن الطريق السوى ، أو سارت فيه ، فإذا نبهت من قريب عادت إلى الفطرة والحق ، وأمامها الأمارات والعلامات المبينة المرشدة ، وإذا لم تنتبه من قريب ، سارت في الشر ، وبمقدار سيرها تأخذ أمارات الحق تختفى أمامها ، حتى تنطمس فلا ترى . ولذلك لا يكون ثمة أمل في العودة إلى الجادة ، لأنه قد اختفت في النفس أمارات الحق ، وانطفأ نوره ولذا قال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً الظلم هنا ظلم النفس وظلم الغير ، وأولئك الذين كفروا ولجوا في كفرهم ، واسترسلوا في جحودهم قد ظلموا أنفسهم بأن أبعدوها عن طريق الهداية وطمسوا نور الحق فيها وارتكبوا من المآثم ما تردوا به في مهاوى الرذيلة . وظلموا غيرهم بأن أثاروا الشبهات ليضلوهم ، وأوقعوا بهم الأذى ليفتنوهم ، والوصفان لطائفة واحدة من الناس ، فهم اتصفوا بالجحود المطلق ، والظلم ، وهي الطائفة الموصوفة بالأوصاف السابقة ، فالأوصاف الأولى كانت الكفر ، والصد عن طريق الحق ، والأوصاف الثانية هي الكفر والظلم ، فالكفر مشترك ، والاختلاف في الصد ، والظلم ، وهما متلاقيان ، لأن الإعراض عن الحق ظلم للنفس ومنع الغير من الحق ظلم له ، كما